محمد أبو زهرة

1223

زهرة التفاسير

القلوب ، ولو كان خاملا ما تحركوا لإيذائه ، ومع ذلك لم ينالوا منه شيئا ، ولم يمكنهم اللّه من رقبته ، بل نجاه من شرورهم ودسائسهم ، فكيف لا يكون وجيها عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم ؟ ! . فعيسى عليه السلام كان وجيها ، ووجاهته أكمل أنواع الوجاهة ، وهي الوجاهة التي تتجرد من كل سلطان إلا سلطان الحق والروح ، وبهما ملك القلوب . والجاه الحق - كما قال الغزالي - هو ملك القلوب . وأما كونه من المقربين إلى اللّه تعالى ، فمعناه أنه مقرب إلى اللّه تعالى كما هو قريب من الناس ، وأنه وجيه عند اللّه تعالى ذو مكانة قريبة منه ، كما هو ذو مكانة عند الناس . ولقد بين سبحانه وتعالى حالين هما من أحوال المسيح عليه السلام ، فقال تعالى : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ المهد : هو مضجع الطفل ، من مهد يمهد مهدا ، بمعنى أنه مهيأ مسهل له وهو في الرضاعة . ومن في المهد يكون طفلا صغيرا يحمل لا يتصور منه كلام مطلقا ، والكهل هو الرجل السوى ، والأمر الخارق للعادة في هذا أن عيسى عليه السلام تكلم وهو في المهد ، وكلامه وهو في المهد ليس لغو صبيان ، بل هو كلام شبان مكتهلين ، وقد بلغوا تمام الرجولة والاستواء العقلي ، وجمعهما معا في الكلام يدل على أن كلامه في الأول من نوع كلامه في الثاني ؛ ولذا يقول الزمخشري : « ومعناه يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة ، وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ، ويستنبأ فيها الأنبياء » وإن ما حكاه اللّه تعالى عن كلامه في المهد ليوضح ذلك ؛ ففي سورة مريم : فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ